صديق الحسيني القنوجي البخاري

544

فتح البيان في مقاصد القرآن

ووجه الحكمة في تمثيل الإيمان بالشجر على الإطلاق أن الشجرة لا تسمى شجرة إلا بثلاثة أشياء عرق راسخ وأصل ثابت وفرع نابت ، وكذلك الإيمان لا يتم إلا بثلاثة أشياء تصديق بالقلب وقول باللسان وعمل بالأبدان والأركان وقيل غير ذلك ؛ وعن ابن عباس : الكلمة الطيبة شهادة أن لا إله إلا اللّه والشجرة الطيبة المؤمن ، وأصلها الثابت قول لا إله إلا اللّه ثابت في القلب وفرعها في السماء يقول يرفع بها عمل المؤمن إلى السماء ، وقد روي نحو هذا عن جماعة من التابعين ومن بعدهم . وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ أحوال المبدأ والمعاد وبدائع صنعه سبحانه الدالة على وجوده ووحدانيته ، وفي ضرب الأمثال زيادة تذكير وتفهيم وتصوير للمعاني وتقريب لها من الحس ومواعظ لمن تذكر واتعظ . [ سورة إبراهيم ( 14 ) : الآيات 26 إلى 30 ] وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ ( 26 ) يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ ( 27 ) أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ ( 28 ) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَبِئْسَ الْقَرارُ ( 29 ) وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ ( 30 ) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ قد تقدم تفسيرها وتغيير الأسلوب حيث لم يقل وضرب اللّه مثلا كلمة خبيثة للإيذان بأن ذلك غير مقصود بالضرب والبيان كَشَجَرَةٍ أي كمثل شجرة خَبِيثَةٍ قيل هي شجرة الحنظل وقيل هي شجرة الثوم وقيل الكمأة ، وقيل الطحلبة ، وقيل هي كشوث بالضم وآخر مثلثة وهي شجرة لا ورق لها ولا عروق في الأرض . اجْتُثَّتْ أي استؤصلت واقتلعت وقطعت من أصلها ، قال المؤرج أخذت جثتها وهي نفسها وذاتها والجثة شخص الإنسان قاعدا ونائما يقال جثه قلعه واجتثه اقتلعه كأنها اجتثت وكأنها غير ثابتة بالكلية وكأنها ملقاة على وجه الأرض ومعنى مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ أنه ليس لها أصل راسخ وعروق متمكنة من الأرض . ما لَها أي لهذه الشجرة مِنْ قَرارٍ أي من استقرار ، وقيل من ثبات لأنها ليس لها أصل ثابت تغوص في الأرض بل عروقها في وجهها ولا فرع لها صاعد إلى السماء بل ورقها يمتد على الأرض كشجرة البطيخ وثمرها رديء كما أن الكافر وكلمته لا حجة له ولا ثبات فيه ولا خير يأتي منه أصلا . ولا يصعد له قول طيب ولا عمل صالح وفي الحقيقة تسميتها شجرة مجاز لأن الشجر ما له ساق والنجم ما لا ساق له وهي من النجم فتسميتها شجرة للمشاكلة . قال ابن عباس : الكلمة الخبيثة الشرك والشجرة الخبيثة الكافر يعني الشرك ليس